المناهل الزكية في مصادر التلقي عند أهل السنة النبوية

الْمَنَاهِلُ الزَّكِيَّةُ فِي مَصَادِرِ التَّلَقِّي عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ

كتبه: أبو عمر آندي لطيف

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ، وَأَرْسَلَ مُحَمَّدًا شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، أَمَّا بَعْدُ:

اعْلَمْ رَحِمَكَ اللهُ أَنَّ الْأَسَاسَ فِي تَحْصِيلِ الْعَقِيدَةِ الصَّحِيحَةِ وَلُزُومِ طَرِيقِ الِاسْتِقَامَةِ هُوَ تَلَقِّي الْحَقِّ مِنَ الْمَصَادِرِ الَّتِي بَنَى عَلَيْهَا سَلَفُ الْأُمَّةِ عَقِيدَتَهُمْ، وَقَامَ عَلَيْهَا مَنْهَجُهُمْ، وَاسْتَقَوْا مِنْهَا عُلُومَهُمْ.

فَمَصَادِرُ التَّلَقِّي نَوْعَانِ:

أَسَاسِيَّانِ مَتْبُوعَانِ: النَّقْلُ الصَّحِيحُ، وَالْإِجْمَاعُ.

وَمُؤَيِّدَانِ تَابِعَانِ: الْعَقْلُ الصَّرِيحُ، وَالْفِطْرَةُ السَّلِيمَةُ.

فَأَمَّا النَّقْلُ: فَهُوَ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ.

فَالْقُرْآنُ: هُوَ كَلَامُ اللهِ تَعَالَى، الْمُنَزَّلُ عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الْمُتَعَبَّدُ بِتِلَاوَتِهِ، الْمُعْجِزُ بِلَفْظِهِ، الْمَكْتُوبُ فِي الْمَصَاحِفِ، الْمَنْقُولُ إِلَيْنَا بِالتَّوَاتُرِ.

قَالَ اللهُ تَعَالَى تَحَدِّيًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا: {قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلْإِنسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰٓ أَن يَأْتُوا۟ بِمِثْلِ هَٰذَا ٱلْقُرْءَانِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِۦ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [١].

وَقَالَ تَعَالَى: {أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُۥ ۚ بَل لَّا يُؤْمِنُونَ * فَلْيَأْتُوا۟ بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِۦٓ إِن كَانُوا۟ صَٰدِقِينَ} [٢].

وَقَالَ تَعَالَى: {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا۟ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِۦ مُفْتَرَيَٰتٍ وَٱدْعُوا۟ مَنِ ٱسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ} [٣].

وَقَالَ تَعَالَى: {وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا۟ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِۦ وَٱدْعُوا۟ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا۟ وَلَن تَفْعَلُوا۟ فَٱتَّقُوا۟ ٱلنَّارَ ٱلَّتِى وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ ۖ أُعِدَّتْ لِلْكَٰفِرِينَ} [٤].

وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا كَانَ هَٰذَا ٱلْقُرْءَانُ أَن يُفْتَرَىٰ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ ٱلْكِتَٰبِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ * أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا۟ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِۦ وَٱدْعُوا۟ مَنِ ٱسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ} [٥].

وَكَمَا ظَهَرَ إِعْجَازُهُ فِي لَفْظِهِ، فَقَدْ ظَهَرَ فِي مَعْنَاهُ بِانْتِفَاءِ التَّنَاقُضِ عَنْهُ.

قَالَ تَعَالَى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُوا۟ فِيهِ ٱخْتِلَٰفًا كَثِيرًا} [٦].

وَالسُّنَّةُ: هِيَ مَا نُقِلَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ أَوْ تَقْرِيرٍ.

وَهِيَ مَعَ الْكِتَابِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: مُقَرِّرَةٌ لِحُكْمِهِ، أَوْ مُبَيِّنَةٌ لِمُجْمَلِهِ، أَوْ مُثْبِتَةٌ لِمَا سَكَتَ عَنْهُ.

وَقَدْ دَلَّتِ النُّصُوصُ عَلَى وُجُوبِ التَّمَسُّكِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.

قَالَ تَعَالَى: {ٱتَّبِعُوا۟ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا۟ مِن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءَ ۗ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ} [٧].

وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُو۟لَٰٓئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّٰلِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُو۟لَٰٓئِكَ رَفِيقًا} [٨].

وَقَالَ تَعَالَى: {وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [٩].

وَجَعَلَ سُبْحَانَهُ طَاعَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَاعَةً لَهُ، وَدَلِيلًا عَلَى مَحَبَّتِهِ.

قَالَ تَعَالَى: {مَّن يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَآ أَرْسَلْنَٰكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [١٠].

وَقَالَ تَعَالَى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [١١].

وَلَا يُسْتَقَلُّ بِالْقُرْآنِ عَنِ السُّنَّةِ، لِأَنَّهَا وَحْيٌ مِثْلُهُ.

قَالَ تَعَالَى: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰٓ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَىٰ} [١٢].

وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُوا۟} [١٣].

وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلَا يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعَانُ عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ: عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ، فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلَالٍ فَأَحِلُّوهُ، وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ) [١٤].

وَقَالَ أَبُو قِلَابَةَ رَحِمَهُ اللهُ: “إِذَا حَدَّثْتَ الرَّجُلَ بِالسُّنَّةِ فَقَالَ: دَعْنَا مِنْ هَذَا وَهَاتِ كِتَابَ اللهِ، فَاعْلَمْ أَنَّهُ ضَالٌّ” [١٥].

وَأَوْجَبَ سُبْحَانَهُ الرَّدَّ إِلَيْهِمَا عِنْدَ النِّزَاعِ، وَنَفَى الْإِيمَانَ عَمَّنْ لَمْ يُسَلِّمْ لِحُكْمِهِمَا.

قَالَ تَعَالَى: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا۟ ٱلرَّسُولَ وَأُو۟لِى ٱلْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَٰزَعْتُمْ فِى شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [١٦].

وَقَالَ تَعَالَى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا۟ فِىٓ أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا} [١٧].

وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَٰلًا مُّبِينًا} [١٨].

وَحَذَّرَ اللهُ أَشَدَّ الْحَذَرِ مِنَ التَّقَدُّمِ بَيْنَ يَدَيْهِمَا، أَوِ الْمُخَالَفَةِ عَنْ أَمْرِهِمَا.

قَالَ تَعَالَى: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [١٩].

وَقَالَ تَعَالَى: {فَلْيَحْذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِۦٓ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [٢٠].

وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُۥ يُدْخِلْهُ نَارًا خَٰلِدًا فِيهَا وَلَهُۥ عَذَابٌ مُّهِينٌ} [٢١].

وَقَالَ تَعَالَى: {ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ ۖ وَمَن يُشَآقِّ ٱللَّهَ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} [٢٢].

وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ) [٢٣].

وَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ: “السُّنَّةُ سَفِينَةُ نُوحٍ، مَنْ رَكِبَهَا نَجَا، وَمَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا غَرِقَ” [٢٤].

وَقَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: “وَأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ قَوْلٌ بِكُلِّ حَالٍ إِلَّا بِكِتَابِ اللهِ أَوْ سُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَنَّ مَا سِوَاهُمَا تَبَعٌ لَهُمَا” [٢٥].

وَتُدْرَكُ السُّنَّةُ بِالْأَحَادِيثِ الْمَرْوِيَّةِ، وَبِالنَّظَرِ فِي أَسَانِيدِهَا يُمَيَّزُ الْمَقْبُولُ مِنَ الْمَرْدُودِ وَالْمَوْضُوعِ.

وَيَجِبُ الْعَمَلُ بِالْمَقْبُولِ مِنْهَا فِي الْعَقَائِدِ وَالْأَحْكَامِ وَغَيْرِهَا، مُتَوَاتِرًا كَانَ أَوْ آحَادًا.

وَيَجِبُ اتِّبَاعُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى فَهْمِ السَّلَفِ الصَّالِحِ.

قَالَ تَعَالَى: {وَٱلسَّٰبِقُونَ ٱلْأَوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَٰجِرِينَ وَٱلْأَنصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحْسَٰنٍ رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا۟ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّٰتٍ تَجْرِى تَحْتَهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} [٢٦].

وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) [٢٧].

وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ) [٢٨].

وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ) [٢٩].

وَفِي رِوَايَةٍ: (مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ) [٣٠].

وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: “مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُتَأَسِّيًا فَلْيَتَأَسَّ بِأَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا أَبَرَّ هَذِهِ الْأُمَّةِ قُلُوبًا، وَأَعْمَقَهَا عِلْمًا، وَأَقَلَّهَا تَكَلُّفًا، وَأَقْوَمَهَا هَدْيًا، وَأَحْسَنَهَا حَالًا، قَوْمًا اخْتَارَهُمُ اللهُ تَعَالَى لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَاعْرِفُوا لَهُمْ فَضْلَهُمْ، وَاتَّبِعُوهُمْ فِي آثَارِهِمْ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا عَلَى الْهَدْيِ الْمُسْتَقِيمِ” [٣١].

وَقَالَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: “اتَّبِعُوا وَلَا تَبْتَدِعُوا، فَقَدْ كُفِيتُمْ، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ” [٣٢].

وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: “اصْبِرْ نَفْسَكَ عَلَى السُّنَّةِ، وَقِفْ حَيْثُ وَقَفَ الْقَوْمُ، وَقُلْ بِمَا قَالُوا، وَكُفَّ عَمَّا كَفُّوا عَنْهُ، وَاسْلُكْ سَبِيلَ سَلَفِكَ الصَّالِحِ، فَإِنَّهُ يَسَعُكَ مَا وَسِعَهُمْ” [٣٣].

وَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ: “كَانَ وَهْبُ بْنُ كَيْسَانَ يَقْعُدُ إِلَيْنَا وَلَا يَقُومُ أَبَدًا حَتَّى يَقُولَ لَنَا: اعْلَمُوا أَنَّهُ لَا يُصْلِحُ آخِرَ هَذَا الْأَمْرِ إِلَّا مَا أَصْلَحَ أَوَّلَهُ” [٣٤].

وَقَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: “وَقَدْ أَثْنَى اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْقُرْآنِ وَالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، وَسَبَقَ لَهُمْ عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْفَضْلِ مَا لَيْسَ لِأَحَدٍ بَعْدَهُمْ، فَرَحِمَهُمُ اللهُ وَهَنَّأَهُمْ بِمَا آتَاهُمْ مِنْ ذَلِكَ بِبُلُوغِ أَعْلَى مَنَازِلِ الصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ، هُمْ أَدَّوْا إِلَيْنَا سُنَنَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَشَاهَدُوهُ وَالْوَحْيُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ، فَعَلِمُوا مَا أَرَادَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَامًّا وَخَاصًّا، وَعَزْمًا وَإِرْشَادًا، وَعَرَفُوا مِنْ سُنَّتِهِ مَا عَرَفْنَا وَجَهِلْنَا، وَهُمْ فَوْقَنَا فِي كُلِّ عِلْمٍ وَاجْتِهَادٍ، وَوَرَعٍ وَعَقْلٍ، وَأَمْرٍ اسْتُدْرِكَ بِهِ عِلْمٌ وَاسْتُنْبِطَ بِهِ، وَآرَاؤُهُمْ لَنَا أَحْمَدُ وَأَوْلَى بِنَا مِنْ آرَائِنَا عِنْدَنَا لِأَنْفُسِنَا، وَاللهُ أَعْلَمُ” [٣٥].

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللهُ: “أُصُولُ السُّنَّةِ عِنْدَنَا: التَّمَسُّكُ بِمَا كَانَ عَلَيْهِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالِاقْتِدَاءُ بِهِمْ، وَتَرْكُ الْبِدَعِ، وَكُلُّ بِدْعَةٍ فَهِيَ ضَلَالَةٌ، وَتَرْكُ الْخُصُومَاتِ فِي الدِّينِ، وَتَرْكُ الْجُلُوسِ مَعَ أَصْحَابِ الْأَهْوَاءِ، وَتَرْكُ الْمِرَاءِ وَالْجِدَالِ” [٣٦].

وَمِنْ لَوَازِمِ الِاتِّبَاعِ لِمَنْهَجِ السَّلَفِ: تَرْكُ التَّعَصُّبِ لِلْعَادَاتِ وَالتَّقَالِيدِ، وَعَقْدُ الْوَلَاءِ وَالْبَرَاءِ عَلَى الدِّينِ لَا عَلَى رَوَابِطِ النَّسَبِ وَالْعَشِيرَةِ.

فَقَدْ ذَمَّ اللهُ مَنْ قَدَّمَ عَادَاتِ قَوْمِهِ عَلَى الْوَحْيِ.

قَالَ تَعَالَى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُوا۟ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُوا۟ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَآ ۗ أَوَلَوْ كَانَ ءَابَآؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْـًٔا وَلَا يَهْتَدُونَ} [٣٧].

وَأَوْجَبَ الْمُفَاصَلَةَ وَالْبَرَاءَةَ مِمَّنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانَ أَقْرَبَ قَرِيبٍ.

قَالَ تَعَالَى: {لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَوْ كَانُوٓا۟ ءَابَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَٰنَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلْإِيمَٰنَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ ۖ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا ۚ رَضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا۟ عَنْهُ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ حِزْبُ ٱللَّهِ ۚ أَلَآ إِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} [٣٨].

وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّ أَوْثَقَ عُرَى الْإِيمَانِ: أَنْ تُحِبَّ فِي اللهِ، وَتُبْغِضَ فِي اللهِ) [٣٩].

وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ: فَهُوَ اتِّفَاقُ مُجْتَهِدِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ وَفَاتِهِ فِي عَصْرٍ مِنَ الْعُصُورِ عَلَى أَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ.

وَلَا يَجُوزُ مُخَالَفَةُ الْإِجْمَاعِ بَعْدَ ثُبُوتِ انْعِقَادِهِ.

قَالَ تَعَالَى: {وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ ٱلْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِۦ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِۦ جَهَنَّمَ ۖ وَسَآءَتْ مَصِيرًا} [٤٠].

وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ أَجَارَ أُمَّتِي مِنْ أَنْ تَجْتَمِعَ عَلَى ضَلَالَةٍ) [٤١].

وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي قَائِمَةً بِأَمْرِ اللهِ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ أَوْ خَالَفَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ عَلَى النَّاسِ) [٤٢].

وَقَالَ الْقَاضِيُّ أَبُو يَعْلَى رَحِمَهُ اللهُ: “الْإِجْمَاعُ حُجَّةٌ مَقْطُوعٌ عَلَيْهَا، يَجِبُ الْمَصِيرُ إِلَيْهَا، وَتَحْرُمُ مُخَالَفَتُهُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَجْتَمِعَ الْأُمَّةُ عَلَى الْخَطَأِ” [٤٣].

وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللهُ: “وَكَانَ الْأَصْلُ الثَّالِثُ بَعْدَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الَّذِي يَجِبُ تَقْدِيمُ الْعَمَلِ بِهِ هُوَ الْإِجْمَاعُ، فَإِنَّ اللهَ لَا يَجْمَعُ هَذِهِ الْأُمَّةَ عَلَى ضَلَالَةٍ” [٤٤].

وَقَالَ ابْنُ النَّجَّارِ الْفُتُوحِيُّ رَحِمَهُ اللهُ عِنْدَ كَلَامِهِ عَنْ شُرُوطِ الْمُجْتَهِدِ: “وَيُشْتَرَطُ فِيهِ أَيْضًا: أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِالْمُجْمَعِ عَلَيْهِ وَالْمُخْتَلَفِ فِيهِ حَتَّى لَا يُفْتِيَ بِخِلَافِ مَا أُجْمِعَ عَلَيْهِ، فَيَكُونَ قَدْ خَرَقَ الْإِجْمَاعَ” [٤٥].

وَأَمَّا الْعَقْلُ: فَهُوَ أَدَاةٌ لِفَهْمِ النُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ وَإِدْرَاكِ مَعَانِيهَا وَدَلَالَاتِهَا.

وَلِذَلِكَ أَمَرَ اللهُ بِإِعْمَالِهِ فِي تَدَبُّرِ كَلَامِهِ.

قَالَ تَعَالَى: {كِتَٰبٌ أَنزَلْنَٰهُ إِلَيْكَ مُبَٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَٰبِ} [٤٦].

وَقَالَ تَعَالَى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ} [٤٧].

وَالْعَقْلُ الصَّرِيحُ يُؤَيِّدُ النَّقْلَ الصَّحِيحَ وَيُوَافِقُهُ، وَلَا يُعَارِضُهُ أَوْ يُحِيلُهُ، وَإِنَّمَا قَدْ يَحَارُ فِيهِ لِعَجْزِهِ وَقُصُورِهِ.

وَلَا يَسْتَقِلُّ الْعَقْلُ بِإِدْرَاكِ الْغَيْبِيَّاتِ، بَلْ هُوَ تَابِعٌ فِيهَا لِلنُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ.

وَلِذَلِكَ يَحْرُمُ عَلَيْنَا التَّمْثِيلُ وَالتَّكْيِيفُ فِي صِفَاتِ اللهِ تَعَالَى، لِأَنَّ كَيْفِيَّتَهَا لَا يُدْرِكُهَا الْعَقْلُ وَلَمْ يُبَيِّنْهَا النَّقْلُ، فَلَا سَبِيلَ لَنَا إِلَى مَعْرِفَةِ كُنْهِهَا، بَلْ نَعْلَمُ يَقِينًا أَنَّ اللهَ {لَيْسَ كَمِثْلِهِۦ شَىْءٌ ۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ} [٤٨].

عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى يَقُولُ: “كُنَّا عِنْدَ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ، {ٱلرَّحْمَٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ} [٤٩]ØŒ فَكَيْفَ اسْتَوَى؟ قَالَ: فَأَطْرَقَ مَالِكٌ بِرَأْسِهِ حَتَّى عَلَاهُ الرُّحَضَاءُ، ثُمَّ قَالَ: الِاسْتِوَاءُ غَيْرُ مَجْهُولٍ، وَالْكَيْفُ غَيْرُ مَعْقُولٍ، وَالْإِيمَانُ بِهِ وَاجِبٌ، وَالسُّؤَالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ، وَمَا أَرَاكَ إِلَّا مُبْتَدِعًا، فَأَمَرَ بِهِ أَنْ يُخْرَجَ” [٥٠].

وَيَحْرُمُ الْقَوْلُ فِي دِينِ اللهِ بِلَا عِلْمٍ، اعْتِمَادًا عَلَى مُجَرَّدِ الْعَقْلِ وَالْهَوَى.

قَالَ تَعَالَى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّىَ ٱلْفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَٱلْإِثْمَ وَٱلْبَغْىَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا۟ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِۦ سُلْطَٰنًا وَأَن تَقُولُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [٥١].

وَقَالَ تَعَالَى: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُوا۟ مِمَّا فِى ٱلْأَرْضِ حَلَٰلًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا۟ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَٰنِ ۚ إِنَّهُۥ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بِٱلسُّوٓءِ وَٱلْفَحْشَآءِ وَأَن تَقُولُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [٥٢].

وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌ ۚ إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُو۟لَٰٓئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْـُٔولًا} [٥٣].

وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: “أَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي وَأَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي إِذَا قُلْتُ فِي كِتَابِ اللهِ مَا لَا أَعْلَمُ؟” [٥٤].

وَقَالَ الْبَرْبَهَارِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: “وَاعْلَمْ رَحِمَكَ اللهُ أَنَّ مَنْ قَالَ فِي دِينِ اللهِ بِرَأْيِهِ وَقِيَاسِهِ وَتَأْوِيلِهِ مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ مِنَ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، فَقَدْ قَالَ عَلَى اللهِ مَا لَا يَعْلَمُ، وَمَنْ قَالَ عَلَى اللهِ مَا لَا يَعْلَمُ فَهُوَ مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ” [٥٥].

لَكِنْ يُسْتَعْمَلُ فِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى قِيَاسُ الْأَوْلَى فِي الْإِثْبَاتِ وَالتَّنْزِيهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَلِلَّهِ ٱلْمَثَلُ ٱلْأَعْلَىٰ} [٥٦].

وَأَمَّا الْفِطْرَةُ: فَهِيَ الْخِلْقَةُ وَالْجِبِلَّةُ وَالتَّهَيُّؤُ لِقَبُولِ الْحَقِّ.

وَالْفِطْرَةُ السَّلِيمَةُ تُؤَكِّدُ النُّصُوصَ الشَّرْعِيَّةَ وَتُؤَيِّدُهَا، فَيُقِرُّ الْإِنْسَانُ بِفِطْرَتِهِ عَلَى وُجُودِ اللهِ تَعَالَى وَتَوْحِيدِهِ.

قَالَ تَعَالَى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنۢ بَنِىٓ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا۟ بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَآ ۛ أَن تَقُولُوا۟ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَٰفِلِينَ} [٥٧].

وَقَالَ تَعَالَى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِى فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [٥٨].

وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ؟) [٥٩].

وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ: (وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا) [٦٠].

وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللهُ: “إِنَّ الْإِقْرَارَ وَالِاعْتِرَافَ بِالْخَالِقِ فِطْرِيٌّ ضَرُورِيٌّ فِي نُفُوسِ النَّاسِ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُ النَّاسِ قَدْ يَحْصُلُ لَهُ مَا يُفْسِدُ فِطْرَتَهُ حَتَّى يَحْتَاجَ إِلَى نَظَرٍ تَحْصُلُ لَهُ بِهِ الْمَعْرِفَةُ” [٦١].

وَلَا يَسْتَطِيعُ الْعَبْدُ إِنْكَارَ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْفِطْرَةُ بَاطِنًا، وَإِنْ كَانَ قَدْ يُنْكِرُهُ ظَاهِرًا بِالْعِنَادِ وَالِاسْتِكْبَارِ، كَمَا وَقَعَ مِنْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ.

قَالَ تَعَالَى: {وَجَحَدُوا۟ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ۚ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ} [٦٢].

وَمِلَاكُ ذَلِكَ كُلِّهِ: أَنَّهُ لَا يَنْتَفِعُ بِهَذِهِ الْمَصَادِرِ وَلَا يَقْبَلُ الْحَقَّ، إِلَّا مَنْ رُزِقَ قَلْبًا سَلِيمًا، وَنَفْسًا مُنْقَادَةً مُتَوَاضِعَةً، خَالِيَةً مِنَ الْهَوَى وَالْكِبْرِ.

قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُۥ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى ٱلسَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} [٦٣].

وَقَالَ تَعَالَى: {وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى ٱلْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلْجَٰهِلُونَ قَالُوا۟ سَلَٰمًا} [٦٤].

وَأَعْظَمُ مَوَانِعِ قَبُولِ الْحَقِّ هُوَ الْكِبْرُ، وَلِذَا حَذَّرَ اللهُ مِنْهُ.

قَالَ تَعَالَى: {سَأَصْرِفُ عَنْ ءَايَٰتِىَ ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَإِن يَرَوْا۟ كُلَّ ءَايَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا۟ بِهَا وَإِن يَرَوْا۟ سَبِيلَ ٱلرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْا۟ سَبِيلَ ٱلْغَىِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا وَكَانُوا۟ عَنْهَا غَٰفِلِينَ} [٦٥].

وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُبَيِّنًا مَعْنَى الْكِبْرِ: (الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ) [٦٦].

وَلَا نَجَاةَ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا بِسَلَامَةِ قَلْبِهِ مِنْ هَذِهِ الْآفَاتِ.

قَالَ تَعَالَى: {يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [٦٧].

وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ مُبَيِّنًا سَلَامَةَ الْقَلْبِ: “وَلَا تَتِمُّ لَهُ سَلَامَتُهُ مُطْلَقًا حَتَّى يَسْلَمَ مِنْ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ: مِنْ شِرْكٍ يُنَاقِضُ التَّوْحِيدَ، وَبِدْعَةٍ تُخَالِفُ السُّنَّةَ، وَشَهْوَةٍ تُخَالِفُ الْأَمْرَ، وَغَفْلَةٍ تُنَاقِضُ الذِّكْرَ، وَهَوًى يُنَاقِضُ التَّجْرِيدَ وَالْإِخْلَاصَ” [٦٨].

وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

[١] سورة الإسراء: ٨٨

[Ù¢] سورة الطور: ٣٣ – ٣٤

[٣] سورة هود: ١٣

[Ù¤] سورة البقرة: ٢٣ – ٢٤

[Ù¥] سورة يونس: Ù£Ù§ – ٣٨

[٦] سورة النساء: ٨٢

[٧] سورة الأعراف: ٣

[٨] سورة النساء: ٦٩

[٩] سورة آل عمران: ١٣٢

[١٠] سورة النساء: ٨٠

[١١] سورة آل عمران: ٣١

[١٢] سورة النجم: Ù£ – Ù¤

[١٣] سورة الحشر: ٧

[١٤] أخرجه أبو داود (٤٦٠٤) واللفظ له، والترمذي (٢٦٦٤)، وابن ماجه (١٢)، وأحمد (١٧١٧٤)، من حديث المقدام بن معدي كرب رضي الله عنه، وصححه الألباني في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (٢٨٧٠) و«صحيح الجامع الصغير» (٢٦٤٣).

[١٥] أخرجه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (٩/ ١٨٣).

[١٦] سورة النساء: ٥٩

[١٧] سورة النساء: ٦٥

[١٨] سورة الأحزاب: ٣٦

[١٩] سورة الحجرات: ١

[٢٠] سورة النور: ٦٣

[٢١] سورة النساء: ١٤

[٢٢] سورة الحشر: ٤

[٢٣] أخرجه الإمام مالك في «الموطأ» بلاغا (٣)، والحاكم في «المستدرك» (٣٢٣) واللفظ له من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ومن حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما (٣٢٢)، وابن عبد البر في «التمهيد» (٢٤/ ٣٣١) و«جامع بيان العلم وفضله» (١٣٨٩) من حديث عمرو بن عوف رضي الله عنه، وصححه الألباني في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (١٧٦١) و«صحيح الجامع الصغير» (٢٩٣٧، ٣٢٣٢).

[٢٤] أخرجه الخطيب البغدادي في «تاريخ بغداد» (٣٨٠٣)، والهروي في «ذم الكلام وأهله» (٤/ ١٢٤).

[٢٥] «جماع العلم» للإمام الشافعي (١١).

[٢٦] سورة التوبة: ١٠٠

[٢٧] متفق عليه، أخرجه البخاري (٢٦٥٢) ومسلم (٢٥٣٣)، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.

[٢٨] أخرجه أبو داود (٤٦٠٧) واللفظ له، والترمذي (٢٦٧٦)، من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه، وصححه الألباني في «إرواء الغليل» (٢٤٥٥) و«سلسلة الأحاديث الصحيحة» (٢٧٣٥).

[٢٩] متفق عليه، أخرجه البخاري (٢٦٩٧) ومسلم (١٧١٨) واللفظ له، عن عائشة رضي الله عنها.

[٣٠] أخرجه مسلم (١٧١٨)، عن عائشة رضي الله عنها.

[٣١] أخرجه ابن عبد البر في «جامع بيان العلم وفضله» (١٨١٠).

[٣٢] أخرجه أبو خيثمة في «كتاب العلم» (٥٥)، والدارمي في «سننه» (٢٢٤)، وابن وضاح في «البدع والنهي عنها» (١٦، ١٧).

[٣٣] أخرجه الآجري في «الشريعة» (٢٩٤)، واللالكائي في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» (٣١٥).

[٣٤] أخرجه ابن عبد البر في «التمهيد» (٢٣/ ١٠).

[٣٥] أخرجه البيهقي في «مناقب الشافعي» (١/ ٤٤٢).

[٣٦] «أصول السنة» للإمام أحمد.

[٣٧] سورة البقرة: ١٧٠

[٣٨] سورة المجادلة: ٢٢

[٣٩] أخرجه أحمد (١٨٥٢٤) واللفظ له من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه، والطبراني في «المعجم الكبير» (١١٥٣٧) من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وحسنه الألباني في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (١٧٢٨).

[٤٠] سورة النساء: ١١٥

[٤١] أخرجه ابن أبي عاصم في «السنة» من حديث كعب بن عاصم الأشعري رضي الله عنه (٨٢)، ومن حديث أنس بن مالك رضي الله عنه (٨٣)، وحسنه الألباني في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (١٣٣١) و«صحيح الجامع الصغير» (١٧٨٦).

[٤٢] متفق عليه، أخرجه البخاري (٣٦٤١، ٣١١٦، ٧٣١١)، ومسلم (١٠٣٧) واللفظ له في «كتاب الإمارة» وأصله في «كتاب الزكاة»، من حديث معاوية رضي الله عنه.

[٤٣] «العدة في أصول الفقه» للقاضي أبي يعلى (٤/ ١٠٥٨).

[٤٤] «مجموع الفتاوى» لشيخ الإسلام ابن تيمية (٢٢/ ٣٦٠).

[٤٥] «شرح الكوكب المنير» لابن النجار الفتوحي (٤/ ٤٦٤).

[٤٦] سورة ص: ٢٩

[٤٧] سورة محمد: ٢٤

[٤٨] سورة الشورى: ١١

[٤٩] سورة طه: ٥

[٥٠] أخرجه البيهقي في «الأسماء والصفات» (٨٦٧).

[٥١] سورة الأعراف: ٣٣

[٥٢] سورة البقرة: ١٦٨ – ١٦٩

[٥٣] سورة الإسراء: ٣٦

[٥٤] أخرجه أبو عبيد في «فضائل القرآن» (٣٧٥)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (٣٢١٠١، ٣٢١٠٥)، والطبري في «جامع البيان عن تأويل آي القرآن» (١/ ٧٢)، والبيهقي في «الجامع لشعب الإيمان» (٢٠٨٢)، وابن عبد البر في «جامع بيان العلم وفضله» (١٥٦١)، والخطيب البغدادي في «الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع» (١٥٨٥).

[٥٥] «شرح السنة» للبربهاري (٩٩).

[٥٦] سورة النحل: ٦٠

[٥٧] سورة الأعراف: ١٧٢

[٥٨] سورة الروم: ٣٠

[٥٩] متفق عليه، أخرجه البخاري (١٣٥٨)، ومسلم (٢٦٥٨)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[٦٠] أخرجه مسلم (٢٨٦٥)، من حديث عياض بن حمار المجاشعي رضي الله عنه.

[٦١] «مجموع الفتاوى» لشيخ الإسلام ابن تيمية (١٦/ ٣٢٨).

[٦٢] سورة النمل: ١٤

[٦٣] سورة ق: ٣٧

[٦٤] سورة الفرقان: ٦٣

[٦٥] سورة الأعراف: ١٤٦

[٦٦] أخرجه مسلم (٩١) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.

[Ù¦Ù§] سورة الشعراء: ٨٨ – ٨٩

[٦٨] «الداء والدواء» لابن القيم (٢٨٣).

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Scroll to Top