مصادر التلقي عند أهل السنة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي نزَّل الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين، وأرسل محمدا شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

اعلم رحمك الله أن الأساس في تحصيل العقيدة الصحيحة ولزوم طريق الاستقامة هو تلقي الحق من المصادر التي بنى عليها سلف الأمة عقيدتهم، وقام عليها منهجهم، واستقوا منها علومهم.

فمصادر التلقي عند أهل السنة والجماعة على نوعين:

أحدهما: المصدران الأساسيان الرئيسيان، وهما: النقل الصحيح، وإجماع علماء الملة.

والثاني: المصدران المؤكِّدان المؤيِّدان، وهما: العقل الصريح، والفطرة السليمة.

المصدر الأول: النقل الصحيح، من القرآن الكريم وسنة النبي صلى الله عليه وسلم.

والقرآن هو كلام الله وتعالى، المنزَّل على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، المتعبَّد بتلاوته، المعجز بلفظه، المكتوب في المصاحف، المنقول بالتواتر.

قال الله تعالى تحديا للذين كفروا: {قُل لَئِنِ اجتَمَعَتِ الإِنسُ وَالجِنُّ عَلىٰ أَن يَأتوا بِمِثلِ هـٰذَا القُرءانِ لا يَأتونَ بِمِثلِهِ وَلَو كانَ بَعضُهُم لِبَعضٍ ظَهيرًا}، وقال تعالى: {أَم يَقولونَ تَقَوَّلَهُ ۚ بَل لا يُؤمِنونَ * فَليَأتوا بِحَديثٍ مِثلِهِ إِن كانوا صـٰدِقينَ}، وقال تعالى: {أَم يَقولونَ افتَرىٰهُ ۖ قُل فَأتوا بِعَشرِ سُوَرٍ مِثلِهِ مُفتَرَيـٰتٍ وَادعوا مَنِ استَطَعتُم مِن دونِ اللَّـهِ إِن كُنتُم صـٰدِقينَ}، وقال تعالى: {وَإِن كُنتُم فى رَيبٍ مِمّا نَزَّلنا عَلىٰ عَبدِنا فَأتوا بِسورَةٍ مِن مِثلِهِ وَادعوا شُهَداءَكُم مِن دونِ اللَّـهِ إِن كُنتُم صـٰدِقينَ}، وقال تعالى: {وَما كانَ هـٰذَا القُرءانُ أَن يُفتَرىٰ مِن دونِ اللَّـهِ وَلـٰكِن تَصديقَ الَّذى بَينَ يَدَيهِ وَتَفصيلَ الكِتـٰبِ لا رَيبَ فيهِ مِن رَبِّ العـٰلَمينَ * أَم يَقولونَ افتَرىٰهُ ۖ قُل فَأتوا بِسورَةٍ مِثلِهِ وَادعوا مَنِ استَطَعتُم مِن دونِ اللَّـهِ إِن كُنتُم صـٰدِقينَ}، وقال تعالى: {أَفَلا يَتَدَبَّرونَ القُرءانَ ۚ وَلَو كانَ مِن عِندِ غَيرِ اللَّـهِ لَوَجَدوا فيهِ اختِلـٰفًا كَثيرًا}.

والسنة هي ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم غير القرآن من قول أو فعل أو تقرير. وهي على ثلاثة أنواع: أحدها: أن تكون مقرِّرة ومؤكِّدة لما جاء في القرآن، والثاني: أن تكون مبيِّنة ومفسِّرة لما أُجمل في القرآن، والثالث: أن تكون مثبتة لما سكت عنه القرآن.

قال الله تعالى في وجوب التمسك بالكتاب والسنة: {اتَّبِعوا ما أُنزِلَ إِلَيكُم مِن رَبِّكُم وَلا تَتَّبِعوا مِن دونِهِ أَولِياءَ ۗ قَليلًا ما تَذَكَّرونَ}، وقال تعالى: {وَأَطيعُوا اللَّـهَ وَالرَّسولَ لَعَلَّكُم تُرحَمونَ}، وقال تعالى: {فَإِن تَنـٰزَعتُم فى شَىءٍ فَرُدّوهُ إِلَى اللَّـهِ وَالرَّسولِ إِن كُنتُم تُؤمِنونَ بِاللَّـهِ وَاليَومِ الـٔاخِرِ ۚ ذٰلِكَ خَيرٌ وَأَحسَنُ تَأويلًا}، وقال تعالى: {يـٰأَيُّهَا الَّذينَ ءامَنوا لا تُقَدِّموا بَينَ يَدَىِ اللَّـهِ وَرَسولِهِ ۖ وَاتَّقُوا اللَّـهَ ۚ إِنَّ اللَّـهَ سَميعٌ عَليمٌ}.

وقال تعالى: {وَمَن يَعصِ اللَّـهَ وَرَسولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدودَهُ يُدخِلهُ نارًا خـٰلِدًا فيها وَلَهُ عَذابٌ مُهينٌ}، وقال تعالى: {وَما كانَ لِمُؤمِنٍ وَلا مُؤمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّـهُ وَرَسولُهُ أَمرًا أَن يَكونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أَمرِهِم ۗ وَمَن يَعصِ اللَّـهَ وَرَسولَهُ فَقَد ضَلَّ ضَلـٰلًا مُبينًا}، وقال تعالى: {ذٰلِكَ بِأَنَّهُم شاقُّوا اللَّـهَ وَرَسولَهُ ۚ وَمَن يُشاقِقِ اللَّـهَ وَرَسولَهُ فَإِنَّ اللَّـهَ شَديدُ العِقابِ}.

وقال تعالى: {قُل إِن كُنتُم تُحِبّونَ اللَّـهَ فَاتَّبِعونى يُحبِبكُمُ اللَّـهُ وَيَغفِر لَكُم ذُنوبَكُم ۗ وَاللَّـهُ غَفورٌ رَحيمٌ}، وقال تعالى: {وَما يَنطِقُ عَنِ الهَوىٰ * إِن هُوَ إِلّا وَحىٌ يوحىٰ}، وقال تعالى: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤمِنونَ حَتّىٰ يُحَكِّموكَ فيما شَجَرَ بَينَهُم ثُمَّ لا يَجِدوا فى أَنفُسِهِم حَرَجًا مِمّا قَضَيتَ وَيُسَلِّموا تَسليمًا}، وقال تعالى: {فَليَحذَرِ الَّذينَ يُخالِفونَ عَن أَمرِهِ أَن تُصيبَهُم فِتنَةٌ أَو يُصيبَهُم عَذابٌ أَليمٌ}.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إني قد تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوض)، وقال الإمام الشافعي رحمه الله: «لا يلزم قول بكل حال إلا بكتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن ما سواهما تبع لهما».

ونعرف سنة النبي صلى الله عليه وسلم عن طريق رواية الأحاديث، ولكن بعضها مقبولة، وبعضها مردودة، والأخرى مزعومة. وأكثر الأحاديث المقبولة ظنية الثبوت وظنية الدلالة. وأما القرآن فكله قطعي الثبوت، وأكثره ظني الدلالة. وهذه النصوص الشرعية يجب العمل بها وأخذ الاعتقاد منها، وإن كانت ظنية الثبوت أو الدلالة.

ويجب اتباع الكتاب والسنة على فهم السلف الصالح. قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة). وقال ابن مسعود رضي الله عنه: «من كان منكم متأسيا فليتأس بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، وأقومها هديا، وأحسنها حالا، اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم في آثارهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم». وقال الأوزاعي رحمه الله: «اصبر نفسك على السنة، وقِفْ حيث وقف القوم، وقل بما قالوا، وكُفَّ عما كفوا عنه، واسلك سبيل سلفك الصالح، فإنه يسعك ما وسعهم».

المصدر الثاني: الإجماع، وهو اتفاق مجتهدي أمة محمد صلى الله عليه وسلم بعد وفاته في عصر من العصور على أمر من الأمور.

ولا يجوز مخالفة الإجماع بعد ثبوت انعقادها. قال الله تعالى: {وَمَن يُشاقِقِ الرَّسولَ مِن بَعدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدىٰ وَيَتَّبِع غَيرَ سَبيلِ المُؤمِنينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّىٰ وَنُصلِهِ جَهَنَّمَ ۖ وَساءَت مَصيرًا}، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من ناوأهم حتى تقوم الساعة)، وقال القاضي أبو يعلى رحمه الله: «الإجماع حجة مقطوع عليها، يجب المصير إليها، وتحرم مخالفته، ولا يجوز أن تجتمع الأمة على الخطأ». وقال ابن النجار الفتوحي رحمه الله عند كلامه عن شروط المجتهد: «ويُشترط فيه أيضا: أن يكون عالما بالمجمع عليه والمختلف فيه حتى لا يفتي بخلاف ما أُجمع عليه، فيكون قد خرق الإجماع».

المصدر الثالث: العقل، وهو أداة لفهم النصوص الشرعية وإدراك معانيها ودلالتها.

ولذلك قال الله تعالى: {كِتـٰبٌ أَنزَلنـٰهُ إِلَيكَ مُبـٰرَكٌ لِيَدَّبَّروا ءايـٰتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الأَلبـٰبِ}، وقال تعالى: {أَفَلا يَتَدَبَّرونَ القُرءانَ أَم عَلىٰ قُلوبٍ أَقفالُها}.

والعقل الصريح يؤكِّد النقل الصحيح ويؤيِّده. ولا يعارضه ولا يحيله، وإنما قد يحار فيه العقل لعجزه وقصوره وضعفه.

ولا يدخل العقل في الغيبيات دخولا استقلاليا، وإنما تبعيا للنصوص الشرعية. ولذلك يحرم علينا التمثيل والتكييف في صفات الله تعالى، لأن حقيقتها لا يدركها العقل ولا يبيِّنها النقل، فلا سبيل لنا لمعرفة كنهها وحقيقتها، بل نعرف أن الله {لَيسَ كَمِثلِهِ شَىءٌ ۖ وَهُوَ السَّميعُ البَصيرُ}.

قال الإمام البربهاري رحمه الله: «واعلم رحمك الله أن من قال في دين الله برأيه وقياسه وتأويله من غير حجة من السنة والجماعة، فقد قال على الله ما لا يعلم، ومن قال على الله ما لا يعلم فهو من المتكلفين».

ولكن يجوز استعمال قياس الأولى في حق الله تعالى في الإثبات والتنزيه، كما قال تعالى: {وَلِلَّـهِ المَثَلُ الأَعلىٰ}.

المصدر الرابع: الفطرة، وهي الخلقة والجبلة والتهيؤ لقبول العقيدة الصحيحة.

والفطرة السليمة تؤكِّد النصوص الشرعية وتؤيِّدها، فيقرُّ الإنسان بوجود الله تعالى وتوحيده، ولا يستطيع إنكاره باطنا وإن كان قد ينكره ظاهرا بالعناد.

قال الله تعالى: {فِطرَتَ اللَّـهِ الَّتى فَطَرَ النّاسَ عَلَيها ۚ لا تَبديلَ لِخَلقِ اللَّـهِ}. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من مولود إلا يُولَد على الفطرة، فأبواه يهوِّدانه أو ينصِّرانه أو يمجِّسانه، كما تُنتَج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسُّون فيها من جدعاء). وقال صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى: (وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرَّمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا).

تمت الرسالة والحمد لله، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

كتبه الفقير إلى عفو ربه: آندي أوكتافيان لطيف
باندونق، إندونيسيا، ٤ ذو الحجة ١٤٤١ هـ / ٢٥ يوليو ٢٠٢٠ م